يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
280
بهجة المجالس وأنس المجالس
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبّوا الدنيا ؛ فنعم مطية المؤمن يبلغ عليها الخير ، وبها ينجو من الشّرّ » . قال علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه : الدّنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، مهبط وحى اللّه ، ومصلّى ملائكته ، ومساجد أنبيائه ، ومتاجر أوليائه ، ربحوا فيها الرّحمة ، واكتسبوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها ، وقد أذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، فيا أيّها الذّامّ لها ، بم خدعتك الدنيا ؟ أم بما ذا استذمّت إليك أبمصارع أمّهاتك في الثّرى ؟ أم بمضاجع آبائك للبلى ، لقد تطلب علينا الشفاء ، واستوصف الأطباء حين « 1 » لا يغنى عنه دواؤه ، ولا ينفعه بكاؤه . قيل لنوح عليه السّلام - حين حضرته الوفاة - : يا نبىّ اللّه ! لقد بلغت من العمر ما بلغت ، فصف لنا الدّنيا . فقال : ما وجدت الدنيا مع طول عمرى فيها إلّا كبيت له بابان ، دخلت من أحدهما ، وخرجت من الآخر . قال المسيح عليه السلام : حلو الدنيا مرّ الآخرة ، ومرّ الدنيا حلو الآخرة ، ومن حزن على دنياه سخط على اللّه . وعن المسيح عليه السلام أنّه قال : الدنيا لإبليس مزرعة ، وأهلها لها حرّاث « 2 » .
--> ( 1 ) ح : لقد تطلب عليها الشفاء وتستوصف الأطباء حتى . ( 2 ) ا : حراثون .